هل تقوم إيران بتفجير اليمن ؟
ايران
*ايران
* يمن24- متابعات:
23:34 2015-08-08

سياسة الأرض المحروقة؛ هي إستراتيجية عسكرية أوطريقة عمليات يتم فيها «إحراق» أي شيء قد يستفيد منه الخصم عند التقدم أو التراجع في منطقة ما، وذلك عند اليأس من تحقيق الانتصار أو وقف تقدم هذا الخصم . وفي الأصل كان المصطلح يشير إلى إحراق المحاصيل الزراعية لعدم استعمالها من طرف العدو كمؤونة أما الآن فهو يشير إلى إحراق تدمير البنية الأساسية مثل المأوى والنقل والاتصالات والموارد الصناعية. وقد تتبع الجيوش هذه السياسة في أرض العدو أو في أرضها . وكلما كانت الطبيعة الطبوغرافية والمناخية وعرة، كلما سهل تطبيق هذه السياسة اليائسة في القتال . وإيران اليوم على ما يبدو مقبلة على هذا الخيار في اليمن بعدما أخذ اليأس يدب في أروقة طهران من قدرة أذنابها على السيطرة على اليمن .

 

 

شهد الوضع العسكرى فى جنوب اليمن خلال الفترة الأخيرة تراجعاً ملحوظاً لميليشيا الحوثيين والرئيس الأسبق على عبد الله صالح . فقد مثل سقوط مدينة عدن فى يد المقاومة الشعبية ضربة قوية لميليشيات الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق على عبد الله صالح, فالانتصار الأخير فى عدن أرسل رسالة هامة لميليشيات الحوثى صالح بالكُلفة التى ستتكبدها تلك القوات حال قررت الخروج من معاقلها فى شمال اليمن ومحاولتها بسط سيطرتها على البلاد باستخدام القوة المسلحة . ثم جاء بعدها سقوط قاعدة العند العسكرية بيد المقاومة الشعبية اليمنية المدعومة سعوديًا بعد حصار مطبق منذ قرابة خمسة أشهر على المدينة ، قطعت فيها قوات المقاومة الشعبية خطوط الدعم والإمداد عن القوات المقاتلة من الحوثيين وأنصار الرئيس اليمني السابق المخلوع علي عبدالله صالح في الجنوب ، حينما سيطرت القوات المدعومة سعوديًا على محافظة الضالع اليمينة ، جاء هذا الانتصار ليؤكد على حالة التقدم العسكري اللافت للتحالف على أذناب إيران في اليمن ، فهذه القاعدة –العند-  تُعد أكبر القواعد الجوية العسكرية اليمنية جنوب اليمن والتي كانت نقطة حصينة بالنسبة للتواجد الحوثي في الجنوب وذات الأهمية التاريخية الكبرى، يرى محللون بعد سقوطها أن جنوب اليمن أصبح في طريقه إلى التحرر وطرد فلول قوات جماعة أنصار الحوثي المدعومة من عسكريين موالين للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح.

 

" ما حك جلدك مثل ظفرك ، فتول أنت جميع شأنك "

 

هذا هو لسان حال السياسة السعودية اليوم بعد أن ظهر الانحياز الأمريكي للمشروع الإيراني في المنطقة جليا بتوقيع الاتفاق النووي ، فعملية " السهم الذهبي " التي أطلقتها السعودية  تتقدم بثبات نحو تحرير معظم اليمن الجنوبي، وهو ما أظهر عزم العربية السعودية على الحسم العسكري لملف طال أمده ، وإنهاء جيب إيراني زاد شره حتى طال كل دول الجوار وعلى رأسهم السعودية نفسها ،وهو الأمر الذي تريد السعودية به إيصال رسالة أنها ستدخل في المواجهة بنفسها أمام جماعات النفوذ الإيرانية في المنطقة،لكن هذا الأمر له تبعاته إذا ما قررت إيران تطوير دعمها للحوثي وهو ما سيزيد من صلابة صموده أمام السعودية، وهذا بإدخال لليمن في مزيد من الفوضى تتضائل أمامها أي فرص للتسوية السياسية إذا ما قرر الجانبان المضي في الخيار العسكري ، أو ما سيدفع إيران للتفكير في خيارات يائسة من أبرزها وأقربها ، تفجير اليمن بإعادة تقسيمه مرة أخرى كل كان الحال قبل حرب 1994 .

 

 

احتمالية تقسيم اليمن لم تكن شيئًا مستحدثًا على تاريخها، بل كانت جزءًا من واقعها فى حقبة الستينيات حينما قسمت ليمن جنوبى عاصمته عدن، وتحكم به الدولة كجمهورية، ويمن شمالي مقره عاصمته صنعاء ويحكم عبر الإمام، وذلك سنة 1967 ، وخلال الفترة الممتدة من سنة 67 حتى سنة 94 ، وقعت عدة مواجهات ومشاحنات وصلت إلى حد الحرب الشاملة سنة 79 ، و88 ، وجغرافية اليمن وقبليتها تدعمان بقوة فكرة الانفصال . وهو ما تستطيع أن تلعب عليه إيران بتزكية المطالب الانفصالية الكامنة في وجدان كثير من اليمنيين خاصة في جنوب اليمن.

 

 

والسعودية منذ قيام الوحدة اليمنية سنة 94 وهي ترى  أن هذه الوحدة خطًا أحمر بالنسبة لأمنها القومي ، ولذلك فقد تحركت القوات العربية سريعا لإنقاذ ما أسمته "الشرعية" باليمن ليبقي على وحدته، إلا أن خطر التقسيم لا يزال يطل برأسه مرة أخرى مع كل تطور ميداني عسكري من الجانبين، وهذا الأمر يضع السعودية في محل اختبار صعب باختيارها الخيار العسكري، فإما تخطي خيار التقسيم عبر الانتصار العسكري الحاسم الذي لا يدع مجالا للمؤامرات الإيرانية ، وأما أن يحدث تعثر عسكري يفتح المجال على مصراعيه لتحقيق هدف إيران بتفجير اليمن.

 

 

نجاح القوات السعودية في طرد الحوثيين من مدينة عدن بعد عملية السهم الذهبي وهي تستعد لوضع المدينة ذات الثقل لدعم الحكومة الشرعية والانطلاق منها لباقي العمليات العسكرية، يدفع إيران لتأسيس فرضية جديدة في اليمن بدعم الحوثيون تواجدهم في الشمال خاصة مع إمكانية تكثيف الدعم الإيراني بعد رفع العقوبات العسكرية عنها، هذا خاصة إذا لم تمانع الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية ذلك في حال توصلت إلى صفقة مع الحوثيين من أجل محاربة القاعدة في اليمن والتنظيمات التي تصنفها أمريكا بالمتطرفة، كل هذا قد يؤدي إلى المزيد من التمركز وإعادة التموضع للقوى المتقاتلة في كل من الشمال والجنوب؛ مما قد يؤدي إلى انتعاش المطالب الانفصالية للجنوب خاصة وأن إرهاصات ذلك بدأت بالظهور بعد الإعلان عن بدء عملية الحزم والعزم على القيام بتدابير تتضمن تدخلاً بريًا، لكن رغم أن هناك عوامل تمنع من تصاعد هذه المطالب حاليًا بسبب عدم وجود جيش جنوبي منظم ولأن الدول العربية والقوى السياسية في اليمن لا تبدو مستعدة لأمر مماثل إلا أن الفكرة قد تحظى بشيء من الدفع الإيراني الذي يعتقد أنه بتبني هذا الخيار سيضع ضغطا كبيرا على خاصرة السعودية الجنوبية .

 

 

استمرار أمد الحرب يعني باختصار تنامي فرص إيران في تقسيم اليمن أو قل بالأحرى تفجيره ، وهو ما تسعى إليه إيران اليوم عبر طريقين : الأول تعقيد المشهد السياسي بدفع الحوثي لرفض المفاوضات أو تعطيلها وإطالة أمدها دون فائدة . والثاني تعسير المشهد العسكري ، فهي تعلم أن الحسم العسكري رغم النجاحات الأخيرة ما زال عسيرا ويصطدم بكثير من العقبات ، فمثلا فأمر تحرير تعز ليس بالسهولة التي يتخيلها التحالف العربي ، فهناك مشكلة تواجه القوات البرية إذا تم إنزالها في ميناء المخأ لأنها لن تستطيع الوصول إلى مدينة تعز بسهولة تلك المدينة الجبلية التي تبعد 100 كم عن ميناء المخا، وحتى مع فرضية النجاح في تحرير تعز على الطريقة العدنية، فستضطر السعودية إلى عملية تقسيم اليمن فعليًا ولو على الأوراق لأنها ستحتفظ باليمن السفلي مقابل عزل الحوثي في صنعاء مستأثرًا بالشمال، وهو أمر في غاية الخطورة على السعودية حيث يُعرض حدودها الجنوبية إلى أشد الخطر، أو تضطر السعودية والتحالف العربي لخوض معركة دموية على مشارف صنعاء وستكون من الصعوبة بمكان إحراز انتصار فيها لأي من الطرفين، لأن الحوثيين أوقعوا المدينة وضواحيها تحت سيطرتهم المذهبية والعصبية وأدخلوها في مناطق نفوذهم، إلا أن السعودية تحاول استغلال نفوذها لدى بعض القبائل هناك لدخول الحرب بجانب المملكة، لكنه حتى الآن خيار مستبعد.

 

 

ومع فشل المفاوضات السياسية  لا تبقى فرص سوى إطالة أمد الحرب، فالحوثيين لا يسعون حتى الآن إلى حل، وحضورهم مفاوضات جنيف كان لمجرد  حصد أوراق سياسية واعتراف دبلوماسي، وقد يرى البعض في هذا عدم ممانعة عند الحوثيين في انتهاء الصراع اليمني بحل التقسيم، وقد كشف سياسيون يمنيون أن المفاوضات التي شهدتها سلطنة عُمان منذ فترة بين عناصر رفيعة المستوى من الإدارة الأمريكية وممثلين عن جماعة الحوثي، تمت بعيدًا عن علم السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وترددت اقتراحات في هذه اللقاءات تناولت تقسيم اليمن إلى إقليمين بدلًا من ستة، مع وقف القتال وإعادة الشرعية واستبعاد أي دور مستقبلي للمخلوع علي صالح . ويعزز من اتجاه الحوثي المدعوم إيرانيًا للدفع نحو سيناريو التقسيم ما كشفته وثيقة مسربة نشرها موقع "ويكيليكس" تؤكد  دعم إيران للإنفصال في اليمن، حيث أوضحت الوثيقة  أن طهران تواصلت مع "القوى الانفصالية" في جنوب اليمن لدعم حراكهم، ومحاولة استقطاب شخصيات بارزة من خلال الدعوات لزيارة طهران.

 

 

فعلي السعودية وقوات التحالف العربي إدراك طبيعة الفخ الإيراني في اليمن ، فإطالة أمد الحسم العسكري يقوض كثيرا من الجهود المبذولة من قبل ، ويفتح أبواب التقسيم على مصراعيه ، ويؤسس لكيان طائفي معادي في جنوب المملكة، ويضعها تحت ضغط وعبء ثقيل بدوام حالة الاستنفار الحدودي ناحية الجنوب.

 

 

فإما الحسم العسكري الكبير والباهظ التكلفة والذي يقطع الطريق على مؤامرات إيران باليمن ، وهو الحسم الذي يحتاج لصيغة جديدة لبناء وتركيبة التحالف العربي يتم فيه مراجعة دور بعض الأطراف التي ثبت تورطها فعلا في تدعيم المطالب الانفصالية بالجنوب وتزكيتها بالمال والسلاح ، وبعض الأطراف الأخرى التي ما زالت تستقبل رجال الحوثي وصالح وتعقد لهم لقاءات ومؤتمرات وأيضا معارض وحوارات فضائية ، بحيث يكون العمل مشتركا مع المقاومة الشعبية التي يتزعمها الاخوان المسلمين في اليمن للتخلص من الحوثي وصالح نهائيا ، وبناء يمن جديد بدون أدنى تهديد من أي منهما .

 

 

وإذا لم يكن الحسم العسكري ممكنا ، والنوايا المتباينة داخل التحالف العربي لا تسمح بمثل هذا النصر الساحق ، فليكن الضغط العسكري الموجع والذي يجبر الحوثيين وصالح على الجلوس على مائدة المفاوضات ، لإقناع الجميع بأنه لا يمكن لأى من الطرفين كسب الحرب بالضربة القاضية وأن المآل الأخير سيكون للمفاوضات وأن البديل لذلك سيؤدى إلى تعريض البلاد للتدمير الشامل ، ولعل التقدم الأخير في العمليات القتالية يدفع باتجاه هذا الخيار ويعزز من قدرة التحالف على إجبار الحوثيين وصالح على المفاوضات ، ففتح عدن وقاعدة العند فرض معادلة سياسية جديدة بالقوة باليمن لابد من استغلالها والبناء عليها ، وإلا فالشيطان الإيراني متربص ولن يرضى بأقل من تفجير اليمن لتعويض خسارته لهذه البقعة الثمينة.

 

شريف عبد العزيز

تابعو أخر أخبار اليمن عبر صفحتنا على الفيسبوك
إقرأ أيضاً