عدن.. عذراء الصخر والبحر
عدن
*عدن
* يمن24- متابعات:
08:34 2015-07-16

«عدن، صخرة تكلَّست بواسطة الشمس الأبدية. عدن، حيث ندى السماء لا ينزل إلَّا مرَّة واحدة فقط في أربع سنوات. عدن، مكان الإيمان بأنه ليس هناك غريسة عشب حيث لا تواجه هناك أي ظلّ. عدن، الأتون حيث العقول تغلي في الجماجم التي تنفجر، حيث الجثث تجف... أوه.... فلماذا نحب عدن، حباً يجعلنا نرغب في أن يكون فيها قبرنا»..

(الشاعر الفرنسي آرثر رامبو)

هذا ما قاله الشاعر الفرنسي الأشهر «رامبو» الذي عاش آخر سني عمره الإحدى عشرة في فندق «الكون» أو «العالم»، بحسب روايتين وجدتهما، والذي سمي باسمه في ما بعد ولغاية اليوم.

عدن التي سَكَنَتْهُ حدّ الرغبة في الحياة والموت فيها معاً.. ماذا كان الشاعر يرى من على المنارة التي تقف واثقة وجميلة كعذراء عصية على العشاق والمختالين بصولجان الغزل.. البحر؟ النجوم؟ أم همس تضاريسها التي لا يسمعها إلَّا شاعر أو ممسوس بالعشق.. هكذا ببساطة، الجمال النافر المضيء الذي يسكن هذه المدينة منذ القِدم وحتى الآن، يؤكد أنَّ الله قد خلقها صنواً للجمال والسحر منذ الأزل. تشبه كثيراً ذكرى حلوة ودافئة نعرفها حتى لو أننا لم نعشها بعد.

تلك الحسناء المجنحة ليست تلك المدينة الصخرية القابعة في أقصى جنوب اليمن على خليج عدن وبحر العرب وحسب، كما أنَّها ليست وليدة العصر الحديث، بل هي مدينة الطيور. فهناك العشرات من أنواع الطيور التي سجلت في الأراضي الرطبة في عدن ومنطقة مستنقع (كالتكس)، الغني بتنوع كبير من الطيور المستوطنة والمهاجرة، الأرض التي تقع على أكبر براكين العالم والتي ذكرت في الأحاديث النبوية، وورد ذكرها في «سفر حزقيال» في العهد القديم كإحدى المدن ذات العلاقة التجارية مع صور اللبنانية كونها كانت إحدى المحطات المهمة لتجارة التوابل التي كانت منتعشة لألفية كاملة، كما أنَّ موقعها الإستراتيجي عند مضيق باب المندب، وضعها دائماً تحت أنظار التجار والغزاة.

هناك روايات عدة لسبب تسميتها بعدن، فمنها ما ينسبها لعدَن بن عدنان، كما جاء عند قدامى المؤرِّخين كالطبري، أمَّا ياقوت الحموي فيقول إنَّها اسم أطلقته الحبشة في غزوها اليمن عندما عبرت سفنها إلى عدن، فقالوا: (عدونة) فسميت لذلك عدناً وأطلق عليها الفينيقيون اسم (أيدن) كما ورد في التوراة. كما رُوِي أنَّها مدينة قائمة من عصر سليمان عليه السلام، حيث أنَّ بلقيس، التي عاصرت زمانه، زارتها مع حاشيتها وتلاحقت عليها الدول حتى وصلت إلى زمننا الآن. وشيدت فيها آثارا آسرة باقية مثل قلعة صيرة البحرية التي تطل على ميناء عدن القديم، وكانت موضوعاً خصباً للفنانين والرسامين

والشعراء.

إلى بندر عدن باسير سيرة

ولابا رد نسم الا في صيرة

وهناك أيضاً منارة عدن التي بنيت ما بين العامين 86 و92 هـ. بالإضافة إلى التحفة المعمارية المذهلة، وهي الصهاريج التي بنيت لحفظ الماء والتي اختلفت المصادر التاريخية في تحديد الوقت الذي تم فيه بناؤها، فلم يجد الباحثون أيّ سند أو نقوش أو دلالة تشير إلى تاريخ تشييدها. ولكن القول الغالب إنَّ بناءها مرَّ بمراحل تاريخية متعدِّدة كان أولها في القرن الخامس عشر قبل الميلاد في عهد مملكة سبأ. يقال إنَّها شُيِّدت في الألف الأول قبل ميلاد المسيح.

تقوم هذه الصهاريج على امتداد خطٍّ مائل من الجهة الشمالية الغربية لمدينة كريتر - عدن، التي تقع أسفل مصبَّات هضبة عدن المرتفعة حوالي 800 قدم عن سطح البحر، وتتَّسع لما يقارب 20 مليون غالون مياه بعد أن بقي من هذه الصهاريج 18 صهريجا، بعدما طال الوقت والخراب بقيتها التي قدر الباحثون عددها الأصلي بنحو 55 صهريجاً.

عدن مدينة سكنها التاريخ بأبهى حلله، كما سكنتها قلوب أهلها الطيبة والبسيطة التي لا تفارق البسمة محياهم. مدينة لم تعرف إلا المدنية، فاتحة فؤادها بلا أيّ شروط أو اعتبارات للقوميات والثقافات المختلفة.

 

 

ميسون الارياني

تابعو أخر أخبار اليمن عبر صفحتنا على الفيسبوك
إقرأ أيضاً