عبدالرحمن الحمراني
هل أمي تتكلم الفصحى؟!
17:24 2017-02-26

في مؤخرة سور شرعب وعلى تخوم مديرية فرع العدين تقع منطقتنا ، التي ولدت فيها أمي ونشأت وترعرت ولازالت متمسكة بهذه البلاد حد الجنون ، مع إغراءات والدي بالسكن في مدينة تعز ، لكن تعلقها بالقرية والحياة البسيطة بها  جعلها تصمم على البقاء فيها .

لم تدرس أمي ؛ وكل ثقافتها هي استماعها لإذاعة تعز “وما يطلبه المستمعون ”  وبرنامج  المذيع المرحوم ” حسن محمد سعيد ” والمذيعة ” أروى محمد مسعد ” .

تعلمت أمي  في بداية شبابها  ” محو الأمية ” لكنها درست سنتين ولم تُكمل .

قبل أربع سنوات كانت هناك مبادرة نسوية لإنشاء ” محو الأمية ” قبلت أمي التحدي أمام سخرية  النساء من عمرها ، وبدأت في خوض المنافسة ، كان أخي وهو في الصف الثالث الإعدادي يرفض مراجعة دروسها  خشية من رفع صوته عليها ان اخطأت ،، حاولت مع شقيفتي الصغيرة ” صف خامس ” من تعليم أمي ، فخاضت المنافسة مع جيرانها وبدأت القراءة .

عدت من الغربة ، وجدت أمي تحدثني عن الطب الشعبي : يا أبني ” الثوم ” له فوائد اذا اختلط مع هذه الأصناف ، وبدأت بسرد بعض الأعشاب في قريتنا ،

استغربت من هذه المعلومات ؛ فقالت وجدت كتيباُ في مكتبك للطب الشعبي ،، لا ادري من الذي أهداني مثل هذه الكتب التي لا أميل لها ولا احبذ الإنفاق في شراءها .

أمي إذاً  لم تقرأ الروايات ، كل ثقافتها تأتي من اذاعة تعز وبعض الإذاعات المحلية ..

عُدت من السعودية وقد “ألفت ” كلمة ” أبغى ”

-يا ابني تشتي ماء ”

ـ لا يا أماه ” ما أبغى ” .

ـ يا ابني ” إهدر ” من حق القرية أحسن لك.

ـ آه نسيت   ما أشتي ، يا له من احراج ،  كيف وقعت في فخ الذوبان في لهجات الآخرين .

هل فعلا أمي تتكلم الفصحى ، وهل القواميس اللغوية جاءت بناء على البحث في لهجات الشعوب ، وأن ثمة كلمات منسية لم تُدرج في القواميس هي من صميم اللغة .

 

** أمي تقول **

 

** أمي تقول ” بتك الحبل ” كنت استنكر هذه اللفضة فأنا ” أظن ” نفسي المثقف في البيت  ، لكن سرعان ما تبادل الى ذهني قول الله ” وليبتكن آذان الأنعام ” ، إذا ” بتك ” بمعنى ” قطع ” فهي لغة صحيحة غير أنها ليست مستخدمة كثيرا . شعرت بكمية الخجل من نفسي على هذا الإنكار .

** أمي تقول للحليب بعد تركة فترة من الزمن وسط إناء قبل ان يتم ” هز ” الإناء لينفصل الدهن ” ثروب ”  فهل هذا من صميم اللغة ؟! حين بحثت في المعاجم وجدت أن ”  الثرب هو الشحم الذي يغطي الكرش”  ؛ قد يكون هذا اللفظ مقبولاً من باب التشبية ؛ لأن لون ” الثروب ”  قبل ان يتم ” هزه ” يشبه الشحم .

**  أمي تقول للبن بعد انفصاله عن الدهن ” حقين ” وفي القواميس يستخدم لذات المعنى .

** أمي تقول للقمامة التي تحتاج الى كنس ” مشاج ” ، وفي القواميس يستخدم  المشاج ” للأخلاط ممتزجة المُتباينـَـة الصّـفات ، والأمشاج هي الأوساخ التي تجتمع في سرة البطن  ” فهو يستخدم للقمامة المختلطة والمتسخة فالمعنى صحيح .

 

في اليمن الكثير من اللهجات المتعددة والتي يرجع أصلها للغة العربية ، فهل نحتاج للبحث عنها ، أم أن وجودها في حد ذاته هو دليل على فصاحته بالنظر الى أصل اللغة. وهل أمي تتكلم الفصحى ؟!